ربما حفظت قصة ما عن ظهر قلب، ومع ذلك يطلب طفلك سماعها الليلة أيضًا. وما إن تصل إلى الصفحة الأخيرة حتى تسمع الطلب المألوف: «مرة ثانية!».
ما يبدو تكرارًا مرهقًا للكبار قد يكون تجربة مختلفة تمامًا للصغار. فالطفل لا يستمع إلى القصة بالطريقة نفسها في كل مرة، حتى وإن كانت الكلمات والأحداث لم تتغير.
لكن ما الذي يجعله يعود إلى الحكاية نفسها بهذا الحماس؟
متعة معرفة ما سيحدث
نحن الكبار ننجذب غالبًا إلى القصص التي تفاجئنا بأحداث غير متوقعة، لكن الأطفال قد يجدون متعة خاصة في معرفة ما سيأتي.
حين يعرف الطفل أن الأرنب سيختبئ خلف الشجرة، أو أن البطل سيجد مفتاحه الضائع في النهاية، يصبح قادرًا على توقع الحدث وانتظاره بشغف. وقد يسبق الراوي بالكلمات، أو يضحك قبل الوصول إلى الموقف المضحك، أو يعلن بفخر أنه يعرف ما سيحدث بعد ذلك.
هذه القدرة على التوقع تمنحه شعورًا بالتمكن من الحكاية؛ فلم يعد مجرد مستمع يكتشف عالمًا جديدًا، بل أصبح يعرف هذا العالم ويتحرك بين أحداثه بثقة.
الحكاية المألوفة تمنح شعورًا بالطمأنينة
قد يتعلق الطفل بقصة معينة لأنها ارتبطت بلحظات مريحة في يومه؛ بصوت أمه قبل النوم، أو بجلوسه إلى جوار والده، أو بوقت هادئ يجتمع فيه مع أسرته.
في هذه الحالة، لا تكون القصة مجرد أحداث وشخصيات، بل جزءًا من تجربة مألوفة يحب العودة إليها. وحين يعرف الطفل النهاية مسبقًا، قد يشعر براحة إضافية لأنه لا ينتظر مفاجأة مجهولة. ولهذا قد يطلب الحكاية نفسها في أوقات التعب أو بعد يوم مليء بالتغييرات.
أحيانًا لا يكون الطفل متعلقًا بالقصة وحدها، بل بالشعور الجميل الذي يصاحب سماعها.
في كل قراءة يكتشف شيئًا جديدًا
رغم أن القصة لا تتغير، فإن انتباه الطفل قد يتجه في كل مرة إلى تفصيل مختلف. ربما يلاحظ طائرًا صغيرًا في خلفية إحدى الرسوم، أو ينتبه إلى كلمة مضحكة، أو يبدأ بالتساؤل عن سبب تصرف شخصية بطريقة معينة.
وقد تلاحظ أنه في المرة الأولى كان مهتمًا بمعرفة النهاية، بينما أصبح في المرة الخامسة يتحدث عن مشاعر الشخصيات أو يتوقع كلماتها.
كما يمنحه سماع الكلمات والعبارات المتكررة فرصًا إضافية للتعرف إليها وتذكرها، خصوصًا عندما يشارك في إكمال الجمل أو ترديد المقاطع المألوفة. وهذا أحد الأسباب التي تجعل إعادة قراءة القصص تجربة مفيدة، وليست مجرد تكرار بلا معنى.
كيف نجعل التكرار ممتعًا للجميع؟
ليس مطلوبًا تغيير طريقة قراءة القصة كل ليلة، لكن يمكن إضافة لمسات صغيرة عندما يرغب الطفل في ذلك.
اترك له فرصة إكمال جملة يعرفها، أو تقليد صوت إحدى الشخصيات، أو الإشارة إلى تفصيل يحبه في الرسم. ويمكنك أحيانًا أن تسأله: «هل لاحظت شيئًا جديدًا هذه المرة؟»، أو أن تدعوه إلى رواية جزء من الأحداث بطريقته الخاصة.
لكن لا تحوّل كل قراءة إلى سلسلة من الأسئلة والأنشطة التعليمية. فقد يريد الطفل ببساطة أن يسمع القصة كما اعتادها، بالكلمات نفسها والنبرة نفسها.
ومن الطبيعي أيضًا أن تشعر بالملل بعد تكرار الحكاية مرات كثيرة. يمكنك الاتفاق على قراءتها مرة واحدة، ثم اقتراح كتاب آخر، أو التناوب بين اختيارات الطفل واختياراتك.
احترام تعلق الطفل بقصته المفضلة لا يعني أن نتجاهل احتياجات الكبار أو نتخلى عن التنوع في القراءة.
ومتى نفتح باب حكاية جديدة؟
لا حاجة إلى إبعاد القصة المفضلة حتى يكتشف الطفل كتبًا أخرى. يمكن أن تبقى جزءًا من مكتبته، بينما نقدم إليه حكايات تشترك معها في شيء يحبه: شخصية حيوانية، أو مغامرة طريفة، أو رسوم مشابهة.
وقد يكون من الممتع أن يختار الطفل قصة جديدة إلى جانب قصته القديمة، فيستمتع بالاكتشاف دون أن يشعر بأنه فقد شيئًا مألوفًا. فالعلاقة الجيدة بالكتب تتسع لما نعرفه ونحبه، ولما لم نكتشفه بعد.
في المرة المقبلة التي يقول فيها طفلك «مرة ثانية!»، تذكر أنه لا يسمع النسخة نفسها تمامًا: إنه يعود إلى عالم يعرفه، ليكتشف فيه شيئًا جديدًا.
