يخاف بعض الأطفال من الظلام، وبعضهم من الانفصال عن الأهل أو المواقف الجديدة. وقد يخشى طفل أصواتًا مرتفعة، أو يتردد آخر في النوم بمفرده، أو يشعر بالقلق قبل الذهاب إلى المدرسة.
ليس كل خوف علامة مشكلة؛ فكثير من المخاوف يتغير مع العمر والخبرة. المهم أن نفهم شدته ومدته وأثره على حياة الطفل.
فمتى يكون الخوف جزءًا طبيعيًا من النمو، ومتى يحتاج الطفل إلى دعم إضافي؟
الخوف ليس ضعفًا
قد يبدو خوف الطفل غير منطقي للكبار، لكنه بالنسبة إليه شعور حقيقي. فالطفل الذي يخاف من الظلام لا يحتاج إلى سماع عبارة «لا يوجد ما يخيفك»، بقدر ما يحتاج إلى الشعور بأننا نفهم ما يمر به.
تجنب السخرية أو المقارنة بإخوته، أو عبارات مثل «أنت كبير على هذا الخوف» و«الأطفال الشجعان لا يخافون». بدلًا من ذلك، اقترب منه بهدوء واسأله: «ما أكثر شيء يخيفك عندما تنطفئ الأنوار؟».
قد يخبرك أنه يتخيل شيئًا خلف الباب، أو أنه لا يحب البقاء بمفرده. الاستماع إلى إجابته يساعدك على فهم ما يحتاج إليه، بدلًا من افتراض أن خوفه بسيط أو غير مبرر.
فالاعتراف بخوف الطفل لا يعني تأكيد وجود الخطر، بل الاعتراف بأن الشعور نفسه يستحق الاهتمام.
الطمأنة الصادقة أفضل من الوعود المطلقة
حين نرى طفلًا خائفًا، قد نرغب في طمأنته بأي وسيلة، فنقول: «لن يحدث أي شيء سيئ أبدًا». لكننا لا نستطيع تقديم مثل هذا الضمان، ولا يحتاج الطفل إلى وعود مستحيلة كي يشعر بالأمان.
يمكن أن نقول بدلًا من ذلك: «أعرف أن هذا الموقف يخيفك، وسأكون قريبًا منك، وسنحاول التعامل معه معًا». فالطمأنة الصادقة تجمع بين تفهم الشعور وتقديم المساندة المناسبة.
ومن المهم أيضًا ألا تتحول الطمأنة إلى تكرار لا ينتهي كلما شعر الطفل بالقلق؛ فبعض الأطفال يحتاجون إلى مساعدتهم على اكتساب القدرة على تهدئة أنفسهم، لا الاعتماد على تأكيدات الكبار وحدها.
خطوات صغيرة بدل المواجهة القسرية
قد يكون تجنب الموقف المخيف مريحًا للطفل في اللحظة نفسها، لكنه ليس دائمًا أفضل حل على المدى الطويل. وفي المقابل، فإن إجباره على مواجهة خوف شديد دفعة واحدة قد يزيد من ضيقه.
الأفضل غالبًا هو التدرج وفق عمره واستعداده وطبيعة الخوف. فإذا كان الطفل يخشى النوم في غرفة مظلمة، يمكن البدء بضوء ليلي خافت وروتين هادئ قبل النوم، ثم مساعدته تدريجيًا على الشعور براحة أكبر.
وإذا كان يخاف من موقف اجتماعي جديد، فقد تساعده زيارة قصيرة برفقة شخص مألوف، قبل الانتقال إلى مشاركة أكثر استقلالًا.
الهدف ليس إجبار الطفل على إثبات شجاعته، بل مساعدته على اكتشاف أنه يستطيع التعامل مع المواقف الصعبة خطوة بعد أخرى.
هل تساعد القصص على الحديث عن الخوف؟
قد يجد الطفل صعوبة في التحدث مباشرة عن مخاوفه، لكنه يستطيع مناقشة خوف شخصية في قصة.
يمكن أن نسأله: «لماذا تعتقد أن البطل كان خائفًا؟» أو «ما الذي ساعده على الشعور بالأمان؟». وقد يفتح الرسم أو اللعب بالدمى مساحة مشابهة للتعبير.
لكن لا ينبغي تحويل هذه الأنشطة إلى وسيلة لإجبار الطفل على الاعتراف بما يخشاه، أو اعتبارها علاجًا نفسيًا بحد ذاتها.
وإذا ارتبط الخوف بتجربة صادمة، فمن المهم التعامل بحساسية إضافية، وعدم دفع الطفل إلى استعادة تفاصيل التجربة أو الحديث عنها قبل استعداده.
متى ينبغي أن ننتبه أكثر؟
لا توجد قاعدة واحدة تحدد متى يصبح الخوف مقلقًا؛ فالعمر والظروف وشدة الأعراض عوامل مهمة. لكن من العلامات التي تستحق الانتباه أن يكون الخوف شديدًا أو مستمرًا، أو أن يتسبب في تجنب المدرسة والأنشطة المعتادة، أو يؤثر بصورة واضحة في النوم أو العلاقات أو الحياة اليومية.
وقد يشكو بعض الأطفال من آلام متكررة في البطن أو الرأس عند مواجهة مواقف يخافونها، مع ضرورة عدم افتراض أن الأعراض الجسدية نفسية دون تقييم مناسب.
إذا ظهرت هذه العلامات أو ازداد الخوف بدلًا من أن يتحسن، فمن الأفضل التواصل مع طبيب الأطفال أو مختص مؤهل في الصحة النفسية للأطفال لتقييم الحالة.
لا نريد طفلًا لا يخاف
الخوف ليس شعورًا ينبغي التخلص منه بالكامل؛ فهو جزء من التجربة الإنسانية، وقد يساعدنا أحيانًا على الانتباه إلى المخاطر.
ما يحتاج إليه الطفل هو أن يتعلم فهم خوفه، والتعبير عنه، واكتشاف الطرق التي تساعده على التعامل معه. وقد لا تختفي مخاوفه سريعًا، وقد يحتاج إلى وقت أطول مما نتوقع، وهذا لا يعني أنه فشل أو أننا لم نساعده بما يكفي.
ليس الهدف أن يصبح الطفل «لا يخاف أبدًا»، بل أن يشعر بأن خوفه مفهوم، وأن هناك من يساعده على التعامل معه خطوة بعد أخرى.
