حين نقول لطفل: «اقرأ عشر صفحات ثم يمكنك اللعب»، قد نُحوّل الكتاب، من حيث لا نقصد، إلى مهمة يجب التخلص منها. حب القراءة لا ينمو بالأوامر وحدها؛ بل يتشكل من لحظات دافئة، واختيار حر، وفضول يتكرر. كثير من الآباء والأمهات يتمنون أن يروا أطفالهم يقرؤون بشغف، لكن هل تنجح المحاولات دائمًا؟ قد نشتري مجموعة جميلة من القصص، ثم نفاجأ بأن الطفل لا يبدي اهتمامًا بها. فهل المشكلة في الطفل، أم في الطريقة التي نقدم بها القراءة إليه؟ ربما يجدر بنا أن نغيّر السؤال من «كيف أجعل طفلي يقرأ؟» إلى «كيف أساعد طفلي على اكتشاف متعة القراءة بنفسه؟»
دعه يختار ما يحب
ليس المطلوب أن يبدأ الطفل بما نراه نحن أكثر فائدة، بل بما يثير اهتمامه ويجعله راغبًا في تقليب الصفحات. امنحه فرصة الاختيار عند زيارة المكتبة، ودعه يستكشف الكتب بنفسه. وحتى إن اختار قصة قصيرة أو كتابًا يبدو أسهل من مستواه، فلا تتعجل توجيهه إلى غيره. فالكتاب الذي يختاره الطفل بحماس قد يكون أكثر تأثيرًا في علاقته بالقراءة من كتاب نختاره له بعناية لكنه لا يرغب فيه.
اجعل القراءة جزءًا طبيعيًا من يومه
يتعلم الأطفال مما يشاهدونه بقدر ما يتعلمون مما نطلبه منهم. حين يرى الطفل والديه يقرآن، وحين يجد الكتب في متناول يده، تصبح القراءة جزءًا مألوفًا من الحياة، لا نشاطًا مرتبطًا بالواجبات المدرسية وحدها. خصصوا وقتًا قصيرًا للقراءة المشتركة، ولو لبضع دقائق قبل النوم. اقرأ لطفلك بصوت مسموع، وغيّر نبرة صوتك مع الشخصيات، واسمح له بالتوقف عند صورة أعجبته أو سؤال خطر بباله. ولا تتوقف عن القراءة له بمجرد أن يتعلم قراءة الكلمات بنفسه؛ فالاستماع إلى الحكايات يظل ممتعًا، وقد يتيح له الاستمتاع بقصص لم يصبح مستعدًا لقراءتها وحده بعد. والأهم ألا تتحول كل جلسة قراءة إلى اختبار للفهم أو مناسبة لقياس عدد الصفحات.
تحدث عن الحكاية، لا تمتحنها
بعد الانتهاء من القصة، بدلًا من السؤال المعتاد «ماذا تعلمت منها؟»، جرّب أن تسأل: «أي شخصية أحببت أكثر؟» «لو كنت مكان البطل، ماذا كنت ستفعل؟» «هل كنت تتوقع هذه النهاية؟» مثل هذه الأسئلة تفتح باب الحوار والخيال، وتمنح الطفل فرصة للتعبير عن رأيه دون الخوف من الإجابة الخاطئة. لكن لا تجعل الأسئلة شرطًا بعد كل قصة؛ فأحيانًا تكفي ضحكة مشتركة، أو تعليق عابر، أو رغبة الطفل في سماع الحكاية مرة أخرى. ليست كل قصة مطالبة بتقديم درس أخلاقي مباشر. فبعض الحكايات نقرؤها لنضحك، وبعضها لنندهش، وبعضها لنعيش مغامرة لا نستطيع خوضها في الواقع.
إذا رفض القراءة، فلا تجعلها معركة
قد يفضل الطفل اللعب أو مشاهدة الشاشة، وقد يرفض كتابًا لأنه لا يناسب اهتماماته، أو لأنه مرهق، أو لأنه يجد صعوبة في قراءة كلماته. قبل الإلحاح عليه، حاول معرفة السبب. هل يستمتع بالاستماع إلى القصص لكنه لا يحب قراءتها بنفسه؟ هل يجد الكتاب طويلًا أو صعبًا؟ هل يفضل القصص المصورة؟ قد يكون الحل اختيار كتاب أقصر، أو القراءة بالتناوب، أو تغيير التوقيت، أو البحث عن قصة ترتبط بشيء يحبه بالفعل. وإذا كانت صعوبة قراءة الكلمات مستمرة وتؤثر في تعلمه، فمن المفيد استشارة معلمه لمعرفة الدعم المناسب. وتجنب مقارنة طفلك بغيره أو مكافأته على كل صفحة يقرؤها؛ حتى لا تصبح القراءة وسيلة للحصول على شيء آخر بدلًا من أن تكون متعة في ذاتها. نحن لا نريد أن يقرأ الطفل اليوم لأنه مضطر، بل أن يعود إلى الكتاب غدًا لأنه اشتاق إليه.
بداية صغيرة قد تصنع فرقًا كبيرًا
لا يحتاج حب القراءة إلى مكتبة ضخمة أو جدول صارم أو عدد محدد من الكتب سنويًا. قد يبدأ الأمر بقصة قصيرة قبل النوم، أو زيارة ممتعة إلى مكتبة، أو كتاب يختاره الطفل لأنه أحب صورة على غلافه. وإذا رفض القراءة يومًا، فلا تجعل الأمر معركة. تذكّر أن بناء علاقة قابلة للاستمرار مع الكتاب أفضل من انتزاع امتثال مؤقت.
في النهاية، قد لا يبدأ القارئ الصغير بكتاب طويل؛ ربما يبدأ بصفحة ضحك فيها، أو حكاية طلب سماعها مرة أخرى. وتلك بداية تستحق الاحتفاء. فأجمل علاقة يمكن أن نبنيها بين الطفل والكتاب، هي تلك التي تجعله يفتح صفحاته لأنه يريد أن يعرف ما الذي ينتظره فيها، لا لأنه طُلب منه ذلك.
